محمد الغزالي

41

فقه السيرة ( الغزالي )

عليه . إن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام لم يكن يسرد الحديث كسردكم « 1 » . . ! ! . 2 - ويجيء بعد رسوخ القدم في فهم القران فهم ما يروى من السنن على وجهه الحق ، فخير لمن يقصّر عن فهم السنن أن يحبس لسانه في فمه فلا يقول : قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، ثم يسوق حديثا لا يعرف ما المقصود منه ؟ ! . وإن كان يفهم عبارته الظاهرة واحدها . وقد بليت السنّة من قديم بمن يحفظ منها الكثير ولا يعي إلا اليسير ، وتعجب السيدة عائشة من أبي هريرة حين جلس يروي ، ليس لأنّها تتهمه بكذب ، بل لأن أسلوب تحديثه يهدر الملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث بعد ما طويت طيا في سرده الموصول . وقد روى مسلم في صحيحه : أن عمر ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « من قال : لا إله إلا اللّه دخل الجنة » ، ولعلّ عمر فعل ذلك لأنه وجد أبا هريرة يذكر الحديث لمن لا يعي منه إلا أن الإسلام كلمة تقال باللسان ولا عمل وراءها [ 2 ] ، ومنع الحديث - ولو صحّ - إذا أوحى بهذه الجهالة ، أفضل من إباحة روايته . وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال : لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة ! ! . وفقه عمر في هذا المنع : أنه يريد - كما علمت - بناء المجتمع على تعاليم القران ، وشغل الأفكار بتدبرها والاستنباط منها ، فإذا رويت السنن بعدئذ تلقفتها أذهان نيّرة ، فلم تعد بها معناها الصحيح . يستطيع أبو هريرة - لجودة حفظه - أن يسرد مئة حديث في الصلاة مثلا ، وعمر ربما لا يرى حرجا من سرد هذه السنن في مدرسة خاصة ، ولكنه يكره أن يشغل جمهور المسلمين بأمر يكفيهم منه القليل ، ثم ينصرفون بعده إلى عمل أجدى على الإسلام وأهله .

--> ( 1 ) أخرجه الشيخان في صحيحيهما ؛ وأبو داود : 2 / 125 ، طبع التازي ؛ وابن عبد البر : 2 / 121 . [ 2 ] قلت : هذا الاحتمال بعيد ، بل باطل ، فإن في الحديث نفسه عند مسلم : 1 / 44 - 45 : أن عمر رضي اللّه عنه كان أول من لقيه أبو هريرة ، وأول من حدّثه هذا الحديث ، فلعلّ الأستاذ المؤلف يعيد النظر فيه ! * . * الحق ما قلنا ، وليس للشيخ وجه في اعتراضه .